سيد محمد طنطاوي
206
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الدين ، وحسما لأطماعهم الفارغة ، وتمهيدا لتهديدهم بقوله : * ( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه . . . ) * « 1 » . فالأمر في قوله - تعالى - : * ( فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِه . . . ) * للتهديد والتقريع والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والمعنى . إذا كان الأمر كما ذكرت لكم - أيها المشركون - من أنى أول المسلمين وجوههم للَّه - تعالى - وحده ، فاعبدوا ما شئتم أن تعبدوه من دونه - عز وجل - فسترون عما قريب سوء عاقبة شرككم وجحودكم لنعم اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ ) * بيان لسوء عاقبة من أعرض عن دعوة الحق ، وقوله : * ( الَّذِينَ خَسِرُوا . . ) * خبر إن . أي : قل يا محمد لهؤلاء المشركين : ليس الخاسرون هم الذين أخلصوا عبادتهم للَّه - تعالى - وحده - كما زعمتم - وإنما الخاسرون هم الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، بسبب إلقائهم في النار ، وحرمانهم من النعيم الذين أعده اللَّه - تعالى - لعباده المؤمنين . وقال - سبحانه - خسروا أنفسهم وأهليهم للإشعار بأن هؤلاء المشركين لم يخسروا أنفسهم فقط بسبب دخلوهم النار ، وإنما خسروا فوق ذلك أهليهم لأنهم حيل بينهم وبين أهليهم ، لأن أهليهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروهم كما خسروا أنفسهم ، وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهابا لا رجوع بعده . وجملة : * ( أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ ) * مستأنفة لتأكيد ما قبلها ، وتصديرها بحرف التنبيه ، للإشعار بأن هذا الخسران الذي حل بهم قد بلغ الغاية والنهاية في بابه . وقوله - سبحانه - : * ( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ ومِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ . . . ) * تفصيل لهذا الخسران بعد تهويله عن طريق الإبهام والإجمال . والظلل : جمع ظلة ، وأصلها السحابة التي تظل ما تحتها ، والمراد بها هنا طبقات النار التي تكون من فوقهم ومن تحتهم . وأطلق عليها هذا الاسم من باب التهكم بهم ، إذ الأصل في الظلل أنها تقى من الحر ، بينما الظلل التي فوق المشركين وتحتهم محرقة . أي : لهؤلاء المشركين طبقات من النار من فوقهم ، وطبقات أخرى من النار من تحتهم ، فهم محاطون بها من كل جانب ، ولا يستطيعون التفلت منها .
--> ( 1 ) حاشية الجمل ج 3 ص 594 .